فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ}
{أم} منقطعة لإفادة الإضراب عن غرض من الكلام للانتقال إلى غرض آخر.
والكلام بعد {أم} المنقطعة له حكم الاستفهام دائمًا، فقوله: {حسبتم} في قوة (أحسبتم) والاستفهام المقدّر إنكاري.
والخطاب للمسلمين، على تفاوت مراتبهم في مدّة إسلامهم، فشمل المنافقين لأنّهم أظهروا الإسلام.
وحسبتم: ظننتم.
ومصدر حسب، بمعنى ظنّ الحِسبان بكسر الحاء فأمّا مصدر حسب بمعنى أحصى العدد فهو بضم الحاء.
والترك افتقاد الشيء وتعهّدِه، أي: أن يترككم الله، فحُذف فاعل الترك لظهوره.
ولابد لفعل الترك من تعليقه بمتعلّق: من حال أو مجرور، يدلّ على الحالة التي يفارق فيها التاركُ متروكه، كقوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 2] ومثل قول عنترة:
فتركتُه جَزَر السباع ينُشنَه

وقول كبشة بنت معد يكرب، على لسان شقيقها عبد الله حين قتلته بنو مازن بن زبيد في بلد صَعْدة من بلاد اليمن:
وأُتْرَك في بيتتٍ بصَعْدة مُظْلِم

وحذف متعلِّق {تتركوا} في الآية: لدلالة السَياق عليه، أي أن تتركوا دون جهاد، أي أن تتركوا في دعة بعد فتح مكة.
والمعنى: كيف تحسبون أن تتركوا، أي لا تحسبوا أن تتركوا دون جهاد لأعداء الله ورسوله.
وجملة {ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم} إلخ في موضع الحال من ضمير {تتركوا} أي لا تظنّوا أن تتركوا في حال عدم تعلّق علم الله بوقوع ابتدار المجاهدين للجهاد، وحصول تثاقل من تثاقلوا، وحصول ترك الجهاد من التاركين.
و{لمّا} حرف للنفي، وهي أخت (لم).
وقد تقدّم بيانها، والفرق بينها وبين (لم) عند قوله تعالى: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة: 214] وقوله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} في سورة آل عمران (142).
ومعنى علم الله بالذين جاهدوا: علمه بوقوع ذلك منهم وحصول امتثالهم، وهو من تعلّق العلم الإلهي بالأمور الواقعة، وهو أخصّ من علمه تعالى الأزلي بأنّ الشيء يقع أو لا يقع، ويجدر أن يوصف بالتعلّق التنجيزي وقد تقدّم شيء من ذلك عند قوله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} في سورة آل عمران (142).
و(الوليجة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي الدخيلة، وهي الفَعلة التي يخفيها فاعلها، فكأنّه يُولجها، أي يُدخلها في مكمن بحيث لا تظهر، والمراد بها هنا: ما يشمل الخديعة وإغراء العدوّ بالمسلمين، وما يشمل اتّخاذ أولياء من أعداء الإسلام يُخلص إليهم ويفضَى إليهم بسر المسلمين، لأنّ تنكير {وليجة} في سياق النفي يعمّ سائر أفرادها.
و{من دون الله} متعلّق بـ {وليجة} في موضع الحال المبيّنة.
و{من} ابتدائية، أي وليجة كائِنة في حالة تشبيه المكان الذي هو مبْدأ للبعد من الله ورسوله والمؤمنين.
وجملة {والله خبير بما تعملون} تذييل لإنكار ذلك الحسبان، أي: لا تحسبوا ذلك مع علمكم بأنّ الله خبير بكلّ ما تعملونه. اهـ.

.قال الشعراوي:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ}
ساعة تسمع أم فاعلم أنها إضرابية، أي: ما كان الله سبحانه ليترككم حتى يعلم- علم الواقع- من منكم يؤمن إيمانا يؤهله للجهاد في سبيل الله؛ فإن ظننتم أن الله تارككم بدون ابتلاء وبدون أن يختبركم ويمحصكم، فيجب أن تعرضوا عن ذلك وتفهموا ما يقابله.
إذن فالابتلاء أمر ضروري لمن أراد الله تعالى له أن يتحمل أمر الدعوة ليواجه شراسة التحلل والفساد، لذلك يُصفِّي الله من آمنوا حتى يقف كل واحد منهم موقف الانتماء إلى الله مضحيا في سبيل الله. وساعة يقول الحق عز وجل في شيء كلمة {وَلَمَّا يَعْلَمِ} فليس معنى ذلك أنه لم يعلم وسيعلم، لا، فسبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكن العلم الأزلي لا يكون حجة على البشر. ودائمًا أضرب هذا المثل- ولله المثل الأعلى- نجد عميد إحدى الكليات أحيانا يعلن عن جائزة علمية يريد أن يعطيها للمتفوقين؛ فيقول له المدرس الذي يشرف على تحصيل التلاميذ: إن فلانًا هو الأول وهو يستحق الجائزة، فيقول العميد: ولكني أريد أن تعقد امتحانًا؛ ليكون حجة على غير المتفوقين؛ وهذا هو علم الواقع العملي الذي أراده الحق عز وجل من الابتلاء، وسبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلا، ولكن العلم الواقعي هو حجة على المخالفين.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} [التوبة: 16].
أي بدون ابتلاء أو تمحيص. وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله} [التوبة: 16].
ولمَّا للنفي، ومثلها مثل قولنا: لما يأت أي: أنه لم يتحقق المجيء حتى الآن، وتختلف لما عن لم، فلم لا تؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، فما يأتي بعدها لن يتحقق أبدا، أما لما فتؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، أي أن ما بعدها.. لم يتحقق إلى لحظة نطقها، ولكنه قد يتحقق بعد ذلك. فإن قلت: لما يثمر بستاننا أي: أن البستان الذي تملكه لم يثمر، ولكنه قد يثمر بعد ذلك. وسبحانه وتعالى يقول: {قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].
ومعنى القول الكريم: أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم إلى الآن، ولكنه سوف يدخل بعد ذلك، وهذه بشارة لهم. فقد قالت الأعراب: {آمنا} فأوضح الحق سبحانه وتعالى: بل أسلمتم ولم يدخل الإيمان قلوبكم؛ لأن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، والإسلام انقياد لما يتطلبه إيمان القلب من سلوك، أي: أنتم قد سلكتم سلوك الإسلام، ولكنه سلوك سطحي لم يأت من ينابيع القلب. وقول الحق هنا:
{وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 16].
لا يعني أن علمه متصل بوقت الكلام، فعلم الله تعالى موصول أزلي وسبحانه مُنزَّهٌ عن الأغيار.
إذن فالعلم المراد هنا هو علم الواقع الذي سوف يكون حجة عليكم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو لم يختبركم لقلتم: لو أمرتنا يا رب بالقتال لقاتلنا، ولو أمرتنا بالصبر في الحرب لصبرنا، وَلَكُنَّا أكبر المجاهدين.
ولذلك جاءت الابتلاءات كتجربة عملية، ومن هذه الابتلاءات مواجهة العدو في حرب، فمن هرب ثبت له التقصير في المواجهة، ومن لم يصبر على الابتلاءات، عرف تقص إيمانه وأصبح ذلك علما واقعا.
{وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً} [التوبة: 16].
إذن فالله يريد بعلم الواقع التمييز بين صدق الجهاد وبين الفرار منه، وأن يكون هناك سلوك إيماني واضح؛ يبين أن هؤلاء القوم لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجة، والوليجة من فعلية، بمعنى فاعل، ووالجة يعني داخلة.
{ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل} [الحج: 61].
أي: يُدخْل الليل على النهار ويُدخل النهار على الليل، والمراد بالوليجة الشيء الذي يدخل في شيء ليس منه، وهي من الكلمات التي تطلق ويستوي فيها المفرد المذكر والمؤنث، والمثنى والمثناة وجمع المذكر وجمع المؤنث، وتقول: امرأة وليجة ورجال وليجة. كما تقول: رجل عدل وامرأة عدل، ورجلان عدل، امرأتان عدل، ورجال عدل ونساء عدل، لا تختلف في كل هذه الحالات.
والمراد بالوليجة هنا بطانة السوء التي تدخل على المؤمنين الضعاف، وتتخلل نفوسهم ليفشوا أسرار المؤمنين ويبلغوها للكفار. ولذلك شاء الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ} أي: أن يعلم سبحانه علما واقعيا من جاهدوا، ولم يتخذوا بطانة سوء من الكفار يدخلونهم في شئونهم دخولا يكتشفون أسرارهم.
{وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً} [التوبة: 16].
فالممنوع هنا- إذن- أن يتخذ المؤمنون الكفار وليجة؛ لأن الكافر من هؤلاء سيأخذ أسرارهم ويفشيها لعدوهم. وبذلك يتعرض المؤمنون للخطر. وعلى المؤمن أن يجعل الله عز وجل هو وليجته، وأن يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو وليجته، وأن يجعل المؤمنين هم وليجته، ويسمح لهم أن يتداخلوا معه، وهم مأمونون على ما يعرفونه من بواطن الأمور، أما الأعداء والخصوم من الكفار فهم غير مأمونون على شيء من أسرار المؤمنين. ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16].
والمعنى: إن كنتم تحسبون أنكم تتداخلون مع الكفار وتعطونهم أسرار المؤمنين ولا أحد يعرف، فاعلموا أن الله تعالى يسمع ويرى، وأن الله خبير لا تخفى عليه خافية، فلا تخدعوا أنفسكم وتحسبوا أنكم إن أخفيتم شيئا عن عيون الخلق قد يخفى على الله أبدا؛ فلن يخفى شيء عن عيون الخالق؛ لأنكم إن عمَّيتُم على قضاء الأرض، فلن تُعمُّوا على قضاء السماء. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)} إلى قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)}
التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة:
براءة وذلك واضح، والتوبة لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين والمقشقشة لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه والمبعثرة والمثيرة والحافرة والفاضحة والمنكلة والمشردة والمخزية والمدمدمة لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم. وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحدًا إلا نالت منه. وعن ابن عباس: ما زالت تقول: {ومنهم} حتى حسبنا أن لا تدع أحدًا. وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها. فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولًا وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة. ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى. واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.
وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن الأنفال مع التوبة سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهًا على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهًا على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملًا يدل على أن هذا الاشتباه حاصل. وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها هاهنا بل عند كل مقطع كلام. وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك فقال: لأن {بسم الله الرحمن الرحيم} أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود. وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا} [النساء: 94] فقيل له: أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم؟. فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب {والسلام على من اتبع الهدى} [طه: 47] ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضًا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله: {براءة من الله ورسوله} و{من} لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى. والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله {إلى الذين عاهدتم} كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان. ويجوز أن يكون {براءة} مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار. كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين. روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناسًا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا. والأشهر هي الحرم لقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب. والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.